أدب وأدباء

 

(1)

الطيب صالح

 

ولد الطيب محمد صالح أحمد في مركز "مروى"، المديرية الشمالية للسودان عام 1929. تلقى تعليمه في وادي سيدنا وفي كلية العلوم في الخرطوم. مارس التدريس ثم عمل في الإذاعة البريطانية في لندن. نال شهادة في الشؤون الدولية في إنكلترا وشغل منصب ممثل اليونسكو في دول الخليج ومقره قطر في الفترة 1984-1989. صدر حوله مؤلف بعنوان الطيب صالح عبقري الرواية العربية لمجموعة من الباحثين في بيروت عام 1976 تناول لغته وعالمه الروائي بأبعاده وإشكالياته. كان صدور روايته الثانية موسم الهجرة إلى الشمال والنجاح الذي حققته سببا مباشرا في التعريف به وجعله في متناول القارئ العربي في كل مكان. تمتاز هذه الرواية بتجسيد ثنائية التقاليد الشرقية والغربية واعتماد صورة البطل الإشكالي الملتبس على خلاف صورته الواضحة، سلبا وإيجابا الشائعة في أعمال روائية كثيرة قبله. يمتاز الفن الروائي للطيب صالح بالالتصاق بالأجواء والمشاهد المحلية ورفعها إلى مستوى العالمية من خلال لغة تلامس الواقع خالية من الرتوش والاستعارات منجزا في هذا مساهمة جدية في تطور بناء الرواية العربية ودفعها إلى آفاق جديدة. مؤلفاته: عريس الزين رواية 1962، موسم الهجرة إلى الشمال رواية 1965، بندر شاه رواية 1971، مريود رواية، نخلة على الجدول، دومة ود حامد رواية

 

(مختارات)

============================================

 الطيب صالح في "مركز الحوار العربي":

الأمة العربية أمة قفزات..  لا أمة حسابات!

 

لبّى الكاتب السوداني المعروف الطيب صالح، دعوة "مركز الحوار العربي" لأمسية حوار مفتوح معه. وقد رحّب ناشر مجلة "الحوار"، صبحي غندور، بالأستاذ الطيب صالح، قائلا: شكراً للأستاذ الطيب صالح على تلبية دعوة "مركز الحوار العربي" لهذه الأمسية الخاصة، التي هي في الحقيقة تكريم لمركز الحوار العربي وللمشتركين فيه وللمترددين عليه.  شكراً للأستاذ الطيب على تعديل برنامج سفره، لأنه كان من المقرر أن يغادر اليوم لولاية نيويورك للحديث بإحدى الجامعات، لكنه تجاوب مع الدعوة لهذه الأمسية.. هذه الدعوة التي عمرها أكثر من سنة،  أي قبل تأسيس مركز الحوار العربي.  ففي زيارته الأخيرة لأميركا منذ أكثر من سنة، حيث ألقى محاضرة في إحدى جامعات بوسطن، زار الطيب صالح واشنطن لأيام قليلة، وقد أخبرته آنذاك عن اللقاءات والحوارات الفكرية التي كانت تدعو لها مجلة "الحوار" شهرياً وعن سعي مجلة الحوار لتأسيس منتدى ثقافي فكري عربي في واشنطن، وعن قناعتي بأهمية وجود منبر حواري عربي يستفيد من ظرفين: ظرف تواجد الكفاءات العربية المتنوعة في واشنطن، وظرف المناخ الحر الذي يسمح بأفكار وآراء عربية حرة تستفيد من بعضها البعض، وتغني بعضها البعض.  وتمنيت عليه آنذاك أن يزور واشنطن مرة ثانية وأن يتحدث بهذا المنتدى الفكري الثقافي في حال تأسيسه، فوعد بذلك. وها هو معنا اليوم في مركز الحوار العربي، يحافظ على وعده، ويؤجل سفره، ويعدل برنامج نشاطه في أميركا. فشكراً للأستاذ الطيب صالح، وأهلاً به في مكان لا يبغي إلا تبادل المعرفة بين العرب، وصولا إلى الأفضل من الأفكار والآراء، بفعل أسلوب الحوار الحر والجاد بين أصحابها. لقد حرص مركز الحوار العربي في عمره الزمني القصير- وهو الآن في الشهر العاشر وفي أنشطة بلغت رقم الستين تقريباً أي بمعدل ستة ندوات كحد أدنى في كل شهر- قد حرص هذا المركز، الصغير بحجمه، الكبير بتأثيره، الضيق بمساحته، الواسع في عقول المترددين عليه، أن يؤكد طبيعته العروبية الحضارية التي لا تميز على أساس خصوصيات وطنية أو دينية أو عرقية، بل تشدد وتؤكد على أهمية الهوية العربية ومضمونها الحضاري لأي عربي في أي مكان.

 واليوم يتشرف مركز الحوار العربي أن يكون ضيفه هو الأستاذ الطيب صالح، الذي لا يحتاج إلى تعريف أو تقديم، لكني من موقع الاعتزاز بحضوره وبمعرفته، أقول عنه القليل: هو من مواليد السودان، وقد سافر إلى لندن حيث عمل هناك في هيئة الإذاعة البريطانية في القسم العربي، أي بدأ حياته إعلاميا وهو الآن من أشهر الروائيين العرب فكانت سيرة حياته وتجاربه ومعايشته لتجارب الآخرين، هي مصادر إلهامه الرئيسي في كتابة رواياته.  ثم كان تنقله بين عدة مواقع مهنية، مصدرا لاتساع خبرته بواقع العرب وبآلامهم وأمالهم، فهو في تنقل دائم بين المحيط والخليج، بين المشرق والمغرب، بين الشرق والغرب، ولم يجعله كل ذلك الشرق، وكل ذلك الغرب، أن ينسى أنه ابن جنوب الأرض الذي هاجر إلى شمالها بحثا عن الحياة الأفضل، فكان ربما سبب ذلك، شهرة روايته الرائعة موسم الهجرة إلى الشمال".  وقد عمل الأستاذ الطيب صالح مديرا إقليميا في منظمة اليونسكو في باريس، كما عمل أيضا ممثلا لليونسكو لمنطقة الخليج العربي، وأيضا مديرا عاما لوزارة الأعلام والثقافة في دولة قطر، وهو يكتب منذ سنوات في الصفحة الأخيرة من مجلة المجلة" الصادرة في لندن، وإنتاجه الأدبي غزيز ومعروف في الوسط العربي عموما إضافة إلى اتساع شهرته في الوسطين الأوروبي والأميركي، وقد ترجمت بعض أعماله إلى اللغة الإنكليزية. ورغم أن معظم رواياته تعالج حالات سودانية وأشخاص سودانيين، فان قراء الطيب صالح هم من المحيط إلى الخليج، وأنا أنظر إلى الطيب صالح كنموذج يجمع في شخصيته بين الوطنية السودانية وبين العروبة الثقافية وبين الإسلام الحضاري وبين عالمية الإنسان الحر، فهو المثقف العربي الذي لم تحجب عنه هموم السودان، هموم أمته العربية التي منها جاءت ثقافته ولغته، ولم يبهره تقدم الشمال الأوروبي فيسنى انه ابن جنوب هذه الأرض، وما في الجنوب من فقر وتخلف وآلام. ولم ير في مجتمع الغرب العصا السحرية لمشاكل العرب، بل ساحة ومنبرا لإبداع الفكر العربي المستنير. انه الطيب صالح الذي يجمع، في شخصيته وكتابته، بين الكلمة الطيبة والعمل الصالح. فأهلا بالأستاذ الطيب في مركز الحوار العربي.

ثم تحدث الطيب صالح، وتحاور معه الحضور لأكثر من أربع ساعات. وفي ما يلي، مقتطفات من الشريط المسجّل للحديث والحوار:

 

الطيب الصالح:

السلام عليكم ورحمة الله، وأود أن اعتذر أشد الاعتذار على هذا التأخير لأني حبستكم مدة ساعة، ولكني وضعت نفسي في أيدي هؤلاء السودانيين الضائعين فضيعوني، نحن ككل العرب، يكون الهدف قريبا، لكن نتوه عنه ونأخذ الكثير من الوقت لنصل إليه. فانا آسف جدا. كما أشكر الأخ صبحي على كلماته الجميلة ولعل هذا أجمل تقديم حظيت به.  طبعاً الجهد الذي يقوم به الأخ صبحي من عدة جهود عربية في بلاد المهجر للم شمل العرب وللتفكير بقضايا الأمة العربية ومحاولة إيجاد مخارج من ما يسمى بالأزمة، ونحن ما في شك نواجه أزمة. وأنا حضرت على مدى هذه الأيام الماضية عدة مناقشات في وجوه كثيرة من قضايا الأمة العربية. أنا صحيح كثير السفر  بحكم عملي في منظمة اليونسكو، ولكن الآن رغم تقاعدي من اليونسكو ما زلت أتجول كثيرا في البلاد العربية. وما يدهشني دائما ويحيرني هو كثرة الإمكانات وكثرة المواهب في هذه الأمة. يعنى انتم الآن ممكن تقيموا بلد، أنا متأكد من أن الجمهور المتواجد هنا فيه اختصاصات ومعارف وناس درسوا وفكروا، ومثلكم  في كل مكان، في المغرب في تونس في ليبيا في السودان  في لبنان في سوريا في مصر في بلاد الخليج في المملكة العربية السعودية، ناس كثيرين عندهم طاقات وعندهم خيال وعندهم رغبة وإحساس بأن هذه الأمة تستحق الوصول إلى شيء أحسن.  فلماذا نحن أقل مما نحن مؤهلون له؟ 

لذلك أي جهد في إقامة حوار وفي طرح القضايا- كالذي يقوم به مركز الحوار العربي هنا- يستحق التأييد ويستحق التشجيع. ويجب أن أعترف أني حقيقة عاشق للأمة العربية، ولعلي لست بدعة، فنحن في السودان عرب وزيادة، كما كان يقول أحد شعرائنا الكبار "رحمه الله" صلاح أحمد إبراهيم، يقول "نحن عرب وزيادة، فينا شيء آخر".  ولذلك، عندنا هذا الحنين إلى مراكز التأثير العربي، بيروت كانت منطلقا مبكرا بالنسبة لنا، ففي بدايات العهد الإنكليزي كانوا في السودان يرسلون بعثات إلى بيروت، كانوا يستصعبوا الإرسال إلى بريطانيا في تلك الأيام.. بعدين غيروا سياستهم، ولم  يرسلوهم إلى مصر، لأنهم لا يريدون منهم أن يتأثروا بأفكار الوحدة مع مصر.  فهؤلاء الناس، يعني صادف بأنهم جميعا أصبحوا من كبار رجالات الدولة في السودان، ومنهم المرحوم إسماعيل الأزهري أول رئيس للدولة في السودان، وناس كثيرين من المربيين الفضلاء الذين تعلمنا على أيديهم.  ولذلك، نشأ بيننا وبين لبنان على بعد الشقة، نوع من الألفة. ثم أنا شخصيا خلال عملي في هيئة الإذاعة البريطانية كنت أقضي أوقات طويلة في بيروت في مكتب الهيئة في بيروت.  وهناك، في أواخر الخمسينات والستينات، تعرفت على المناخ الثقافي في لبنان، وتعرفت على عدد كبير من الشعراء والكتّاب، ليس فقط من اللبنانيين.. بل أيضا من الفلسطينيين والسوريين والعراقيين. فبيروت كانت ملتقى لكل هذه التيارات، وتوجد معنا الآن هنا الأخت ناهدة الدجاني التي تشرفت بمعرفتها ومعرفة زوجها في تلك الأيام في بيروت.  ثم بيروت كانت أول من نشر لي، فأنا أدين بالفضل للبنان، لأني أول ما نشرت، نشرت في لبنان.  واللبنانيون عندهم هذه الحفاوة بالثقافة، ومن العجيب أني فهمت القضية الفلسطينية ربما أكثر خلال زياراتي للبنان.

السودان كان دائما سندا للأمة العربية، نحن في شمال السودان، والشمال بمعناه الواسع، بمعناه الشمال والغرب والشرق والوسط، دائما عندنا هذا الإحساس العميق بانتمائنا للأمة العربية دماً وفكراً وديناً، كنا نظن أننا العرب الوحيدين في العالم، لأننا ما شفنا كثيرين، حتى الأربعينات، من إخواننا العرب من الشمال فكان عندنا هذا الإحساس بالعصبية العربية الشديدة، هذه العصبية طبعاً الآن أصبحت عرضة للجدل لأنه إخواننا الجنوبيين، ومعهم الحق، يريدون هوية تشملهم، وهم ليسوا عرباً، لكننا نحن عندنا هذا الإحساس العميق بأننا جزء من هذه الأمة ودائما تظهر عواطفنا، لأن السودانيين لا يعبرون عن عواطفهم باندفاع وسهولة، عندهم شيء من الحياء إذا قورنا بإخواننا المصريين الذين هم أقدر منا على التعبير عن عواطفهم، ولكن في أزمات الأمة العربية، دائما كان السودانيون واضحين في انتمائهم لهذه الأمة، ولست بحاجة أن أذكركم بما حدث عام 1967 اثر الهزيمة المرة التي منيت بها الأمة العربية، حيث كانت الخرطوم هي العاصمة العربية التي احتفت بزعيم الأمة المهزوم كأنه زعيم منتصر إلى درجة أدهش الناس في الغرب، ما هذه الأمة، عندهم في الغرب الزعيم إذا قاد الأمة إلى هزيمة خلاص انتهت القضية، فما هذه الأمة التي تحتفي بزعيم مهزوم كأنه منتصر، ثم دائما قواتنا حاربت في فلسطين في كل الحروب، وحاربنا مع إخواننا المصريين، وقواتنا شاركت في لبنان وفي الكويت. دائما وأبدا كنا سندا للأمة العربية ولا نفعل ذلك منةً ولا مجاملة ولكنه الشيء الذي يجيش في قلوبنا  وصدورنا لأننا ننتمي حضاريا وفكريا ووجدانيا لهذه الأمة العربية.

هذه بعض الأسباب التي جعلتني أرحب بدعوة الأخ صبحي، وأحضر هذا اللقاء، وبصراحة أنا جئت وما عندي أي شيء محضّر، واعتمد عليكم بأن تطرحوا الأسئلة وسأحاول أن أجيب عليها ثم تشاركون انتم في الحوار. يعني القضية أني لست أملك أي حكمة انتم لا تملكونها وتريدون أن أعطيكم إياها، ولكن لنتبادل الآراء في أي شيء تحبون طرحه.. والله الموفق.. وشكراً.

 

وردا على سؤال: كيف يفهم الطيب صالح العلاقة بين الإسلام والعروبة والوطنية والديمقراطية، قال:

 

هذه قضية طويلة وكبيرة.. هذه عايزة Symposium  ، مش لقاء. حقيقة نحن السودانيين بنأخذ الأمور كما هي، يعني إلى حد قريب ما كنا نسأل عن موضوع قضية الهوية.. هذه التي جاءتنا من بلاد الشام، ما كان عندنا أزمة الهوية: من نحن.. وإيه تركيبتا.. إلى أي حد نحن عرب والى أي حد نحن أفارقة، نحن عرب مسلمين هذا هو الذي نفهمه، في السودان. يقال في السودان: دا ولد عرب، والعروبة عندنا قضية مفروغ منها، مفهوم قائم بحد ذاته، لما يقال دا فلان ولد عرب، دي قيمة.  بعدين يدخل في نطاق هذه العروبة كل من يتكلم اللغة العربية، عندنا في الشمال قبائل نوبية وهي أعرق قبائل في وادي النيل هؤلاء أمة ورثت الحضارة الفرعونية القديمة، وهم الآن عرب. بعدين نحن مسلمون.. الحقيقة المهمة في السودان، هو أن الإسلام دخله سلماً ولم يدخله حربا، وأنا متأكد أنه العديد منكم يعرف تاريخ السودان، لكن فقط أذكركم أن دخول العرب للسودان بدأ في بداية الفتح العربي لمصر لأن بعدما دخل عمر بن العاص مصر في خلافة سيدنا عثمان بن عفان (رضي الله عنه) دخل جيش عربي بقيادة عبد الله ابن أبي الصرح، ووجد ممالك مسيحية مستقرة ومتطورة ومتحضرة جداً فصالحهم العرب، صالحوهم ولم يحاربوهم، ثم ظلت القبائل العربية تهاجر جنوباً وتدريجيا بدأ التزاوج بين العرب وبين القبائل النوبية إلى أن آل الأمر إلى العرب والى المسلمين وتكونت عندنا دولة عربية إسلامية هي دولة سنّار، وسنّار هذه دولة كثير من المؤرخين اعتبروها تعويضا عن ضياع الأندلس حين قامت في السودان هذه الدولة المسلمة العربية.  فنشأ عندنا إسلام يتميز بروح تسامح لا حد لها.  ما عندنا أبدا التشنج بأمور العقيدة، وعندنا في أم درمان،  التي هي العاصمة الوطنية للسودان،  حي كامل يسمونه المسالمة، لأنه لهؤلاء أصول قبطية وبعضهم دخل الإسلام وبعضهم ظل على مسيحيته، ومرات في العائلة الواحدة تجد جزءا مسلما وجزءا نصرانيا، ثم نحن في إسلامنا أخذنا كثير من التراكمات الحضارية الموجودة في وادي النيل، فالإسلام بالنسبة لي هو هذا، ولذلك ما يحدث الآن في السودان،  أنا أعتبره ضد طبيعة الأرض وطبيعة الحضارة التي أنشأناها على مدى القرون، هذه الحدة في الفصل بين الأمور، انه هذا مسلم وهذا غير مسلم، وهذا كافر.. لم يكن عندنا هذا الكلام، وأظن أن المنطقة العربية كلها تميزت بهذه السماحة في المعاملة منذ صدر الإسلام، منذ عهد الرسول، وفي التاريخ طبعا تعرفوا بأنه في معركة القادسية حين أصيب المثنى بن حارث الشيباني التفت خلفه فوجد عربيا نصرانيا، فقال له:  أنت لست من ملتنا ولكنك أخونا فاحمل الراية. عربي نصراني حمل راية المسلمين في معركة القادسية. هذه القضية مهمة جدا لأنه الآن في الغرب يتهموننا بأننا ناس متزمتين ومتعصبين، بينما حضارتنا كلها قائمة على فكرة التسامح وفكرة خلط الأخذ من كل شيء مفيد وجمعها في سياق واحد.  في بلاد الشام فعلوا ذلك، في وادي النيل فعلنا ذلك مع إخواننا المصريين، في بلاد المغرب العربي عملنا ذلك، في أرض الرافدين.. هذا هو تراثنا.  وأرجو أن تتغلب روح التسامح في نهاية الأمر على التزمت ومحاولة فرض الأشياء، وأكتفي بهذا الجزء من سؤالك ولنتحاور على شيء آخر.

 

سؤال: من المعروف أن في تراثنا العربي الإسلامي ظهرت مجموعة من المدارس، وبرزت مدرستان، مدرسة المشرق ومدرسة المغرب. وفي الظروف الحالية الآن، هنالك سعي لإحياء التراث، هل لديك تعقيب على ذلك؟  على مشاكل إحياء التراث.. وماذا نستطيع أن نأخذ من التراث بحيث يتفق مع الظروف في الحاضر، ثم هل التراث شيء محدود يجب أن نأخذه كما هو أم لدينا القدرة على تعديله؟

 

الطيب صالح: أنا الأسبوع الماضي بالصدفة كنت في مؤتمر في برشلونة، نظمته منظمة اليونسكو للحوار في قضايا جنوب السودان، وفي الكلمة الافتتاحية التي ألقاها مدير عام اليونسكو، وهو أسباني، قال جملة لفتت نظري، يقول: "الماضي هو مثل المرآة الخلفية للسيارة تنظر إليها علشان تتأكد من طريقك إلى الأمام"، التراث هو في واقع الأمر، يعني تصوري له، انه شيء عايش فينا، في ناس بتصوره وكأنه في مخزن ونفتح المخزن ونأخذ منه التراث، نحن نحمل التراث في أنفسنا.. نحن نسير والتراث يسير معنا، طبعا يكون من الجميل لو عرفنا كيف نأخذ من التراث ما نصلح فيه أمرنا في الحاضر.  يعني التراث فيه أشياء طبعا لا حاجة لنا بها.. في حروب وخصومات، لكن قمم التراث، القمم المضيئة في التراث العربي الإسلامي ما تزال إلى يومنا هذا تعتبر جديرة، وأنت قلت بين المشرق والمغرب، هو في واقع الأمر ما فيش خلاف حقيقي، يعني حصل بطبيعة الحال بحكم الجغرافيا والمناخ في كل منطقة، الناس يؤكدوا أشياء ويقللوا من أشياء، والغريب أننا في وادي النيل، مصر والسودان، نحن مسلمون سنة في وادي النيل، كلنا، ولكننا في ولائنا لآل البيت، كأننا شيعة، خلطنا بين هذا وذاك، وما حصل عندنا أي تـناقض.. السوداني والمصري في ولائه لآل البيت، كأنه شيعي، ولكنه سني. ونحن في السودان كلنا سنة مالكية، فالتراث يجب أن يستعمل لتأكيد القيم الايجابية في الأمة وليس لتفرقة الأمة. لسوء الحظ هناك بعض الناس، بيستعملوا التراث لتفرقة الناس، أنا عندي محك بسيط جدا: لما اسمع كلام أي زعيم أو قائد، أسأل هل هذا الكلام يفرق الناس أو يجمعهم، إذا كان يفرقهم، فمهما بلغ من الفصاحة والبيان، أنا عندي هذا الكلام لا قيمة له، إذا كان يجمعهم ويؤكد نوازع الخير والايجابية فيهم، فهذا عندي حسن. هذه قضية طويلة طبعا، قضية التراث، لأنه ما أدري من أين عملنا هذا التمييز، الإنكليز مثلا عندهم كلمة لقضية التراث Heritage ما عندهم شيء انه شكسبير مثلا يقول التراث، نحن عندنا بعض الناس يقول لك هذا هو التراث، يا أخي الجاهلية عايشة بيننا اليوم، المتنبي عايش بيننا اليوم، نحن عندنا شعراء في السودان، بوادي السودان كأنهم يعيشون في زمان الجاهلية من ناحية الفصاحة، فهذا الشيء عائش بيننا.. ليس هناك هذا التفريق الذي يقولك الأصالة والمعاصرة، السفور والحجاب، هذه الثنائية في الفكر العربي الحديث لا أدري من أين جاءتنا، وكان واضح جدا في أيام تأجج ماضينا أن المفكر أو العالم يحسن كل شيء.. ابن سينا كان يحسن في الطب والفلسفة والشعر والموسيقى.. وكل شيء، لم يكن عنده هذه التفرقة بين هذا وذاك.

 

سؤال: أود أن اسأل عن رأيك بالنسبة للسودان وكيفية التعامل مع مشكلة الهوية التي تتحدث عنها.. وكيف يمكنها أن تحتوي الاختلافات القائمة داخل السودان ومع جنوبه؟

 

الطيب صالح: أنا قلت لك عن بعض الناس الذين يحددوا وجهة نظرهم بالنسبة للمستقبل، ويقولون لك: هذا هو الحل ولا تتناقش معي! أظن أول ثورة عسكرية في العالم العربي كانت انقلاب حسني الزعيم في سوريا.. يجي واحد يقولك خلاص هذا هو الحل.  فالقضايا، عشان نصل إلى حلول، يجب أن تطرح بحرية وبدون خوف، فلا بد من الحوار الحر الصريح، وهذا منتدى حوار الذي نحن فيه، إذن لا بد من نظام ديمقراطي. ونحن طبيعتنا في السودان  أصلها طبيعة ديمقراطية. لا تصدق الذين يقولون إن الشعب غير مؤهل للديمقراطية.. مافيش شعب عربي.. مافيش شعب إطلاقا، ليس مؤهلا للديمقراطية. يا أخي تجد الرجل الأمي في العالم العربي يقوم بمسؤوليات جسام في تربية أولاده وفي إصلاح حاله واتخاذ قرارات معيشية مهمة جدا، فكيف هذا الإنسان غير قادر أن يقول أن هذا يصلح وهذا لا يصلح كنائب للبرلمان؟.. كلام فارغ.. لأنهم يريدون أن يستأثروا بالسلطة ويوهمون الناس بأحلام لا أساس لها من الواقع، ويحجروا الرأي.. وبعدين لا تصل إلى حل. لو أن الديمقراطية استمرت في السودان بعد الاستقلال إلى يومنا هذا  لكنا أولا في تقديري المتواضع عملنا مثل ونموذج في منطقتنا للحكم الديمقراطي.. لأن هذا الشعب عنده استعداد ديمقراطي. ثانيا، كنا حللنا مشكلة الجنوب، كنا حللناها إمّا بوحدة حقيقية أو بفصل الجنوب بالتراضي. لكن في كل مرة كان يجينا عهد حكم عسكري ويقولك نحنا سنحل مشكلة الجنوب ويدخلوا جيش نظامي في غابات وأحراش ويفشلون في كل مرة. وهذا الحكم الآن أيضا فاشل. فلا بد من حرية الفكر ولا بد أن كل إنسان  يقول بأمانة كيف يرى الأشياء...عندها نصل إلى حل. وأظن أن الأمة العربية ككل في حالة كهذه يمكن أن تنطلق انطلاقة كبيرة جدا.

ورداَ على تعليق تضمن تشاؤما بشأن مستقبل الأمة العربية، قال الطيب صالح:

فكرة أن الأمة ماتت، أنا أعتقد أن هذا تشاؤم لا مبرر له، ما في أمة تموت، هذه الأمة لو كان لها أن تموت لماتت من زمان لأنها تعرضت إلى بلاوي.  هذا الغرب بالمناسبة الواحد حين يقرأ تاريخ أوروبا كل الذي نراه هذا عمره أقل من قرن، كل الذي نراه كما تعلم سيدي بأوروبا عمره أقل من قرن ما في معجزة بالمناسبة نحن مرات لأنه بنشوف هذا الغرب عنده هذا الجبروت الصناعي والحربي والطيارات، بنفتكر أن الإنسان الأوروبي أو الإنسان الأميركي نزل من السماء. هؤلاء ناس ..بشر.. بالمناسبة عاديين زينا، بل لعلنا من ناحية الذكاء الفردي والقدرة على الإبداع أكثر منهم إبداعا، الموضوع كله إننا طبعا تعرضنا إلى تجارب مريرة.. يعني يدوب تنفسنا الصعداء بعد الحكم العثماني.. جاءنا الاستعمار الغربي .. يا دوب تحررنا من الاستعمار الغربي وما عرفنا نلقط نفسنا.. جابوا لنا إسرائيل. فنحن ووجهنا بقضايا ضخمة كونية، وما كنا مستعدين لها.. والأمة في حالة من البلبلة، لكن هذا لا يعني بأنها أمة ميتة إطلاقا، هذه أمة حيّة. أنا أظن- وهذا إحساسي من مشاهداتي- حين تجد المفتاح، ممكن يحصل انطلاقة وقفزة كبيرة جدا. هذه أمة قفزات.. لأن عندك مثلا الإنكليز أو الفرنساويين بيمشوا واحد اثنين ثلاثة أربعة حتى يصلوا للنتيجة، وكل واحد في مصنع بيعطوه ال Manual وماشي عليه.. نحن مش ناس بتاع Manual.. جايز نوصل للنتيجة. كنا فعلا في المدارس، ودرّسونا إنكليز عن مشاكل حسابية، وكنا نوصل للحل ونكتب الحل، هو يقول لك لا، إيه الخطوات التي وصلتك إلى هذا الحل. فهذه الأمة ليست أمة خطوات، هذه أمة قفزات. ويا سيدي أنت تشاؤمك في غير مكانه، وأظن تشاؤمك مصدره الإفراط في الحب للأمة.. مرات المحب يصدم.

مركز الحوار العربي- الأحد 22/10/1995

 

===================================================

ديالكتيك

الروائي.. والعالم الابداعي الخاص

عيسى الحلو

* كل كاتب روائي او قصصي.. يكون له دائماً عالم خاص.. عالم تنتمي له كل كائناته الروائية والقصصية. وهذا العالم يعتمد في اطاره التكويني العام على مكان خاص وعلى زمان خاص ايضاً. وكل هذا نطلق عليه.. (عالم الكاتب). وهو في نفس الوقت يصبح هو المعين الذي يغرف منه الكاتب مادته الخام، والتي يصنع منها فيما بعد نصوصه الروائية أو القصصية.

* إذاً.. العالم الخاص بالروائي او القاص هو هذه الحياة المعيشة الماضية والتي تراجعت من مقدمة الوعي.. الى اللا وعي. انها ايضاً تلك الحياة التي غاصت هناك في النسيان.. في المياه العميقةالمظلمة في قعر اللا وعي. ولهذا السبب بالضبط.. يمكن ان نقول ان الكتابه هي هذه المياه التي تتدفق من ذاك المكان عبر اوعية الوعي الذي تمثله كل تلك الآليات والتي هي حصيلة الحرفية.. والخبرة التي تكونت بسبب التجارب التي اكتسبها الكاتب من خلال كتابة نصوصه السابقة. ولهذا فلا غرابة في قول جون كوكتو زعيم السرياليين حينما قال إن مهارات الكتابة تكمن كلها في الرسغ. وهي خبرة حدسية تجرى مع الدورة الدموية كلها.. من ثم فان الجسد هو الذي يكتب. وهكذا ايضاً ذهبت السريالية بعيداً في هذا حينما قالت ونادت بالكتابة الآلية. وهم يقصدون بالكتابة الآلية.. تلك الكتابة المنبثقة والمتدفقة بعفوية كاملة. ومن ذات النقطة.. يرى الشكلانيون الروس ان الكتابة الجيدة هي تلك التي تكتب نفسها بنفسها بلا وسائط.. حيث اللغة هي ما بعد اللغة. تلك اللغة البكر.. والتي تكون بلاغتها ونحوها الخاص والجديد.

* ولكن العالم الابداعي ليس هو عالماً واحداً.. بل ان لكل كاتب عالماً خاصاً به.. فهناك من الكتاب من يصدر عمله من علاقته المباشرة بالواقع.. فهو ينقل هذا الواقع دونما اية تحويرات او تبديلات. وهناك من يحول الواقع الى رمز بحيث يصبح العالم كله رمزاً كبيراً مكوناً من مرموزات ورموز صغيرة ويلعب هنا الخيال دوره في التعبير عن هذه الرؤية التي ينقلها عبر النص الروائى او القصصي.

* إذاً.. فان لكل كاتب عالماً خاصاً.. وهو عالم واحد وثابت. الا ان هذا الثبات يكون على مستوى اطاره العام.. الذي تتحرك فيه المتحولات والتي تنتج في كل مرة نصاً جديداً يختلف عن سابقه. وهو اختلاف تفاصيل وليس اختلاف جوهر.

* ان العالم الابداعي الخاص هذا.. لا تجده الا عند كبار الكتاب الذين نضجت تجربتهم واكتملت وتبلورت في اطارها العام.. حيث ثبت عالمهم وكف عن الدوران حول مطلقاته.. بل اخذت تفاصيله تدور حول المحاور الاساسية التي كونته في جوهره الثابت.

* ولك ان تتأمل عالم نجيب محفوظ.. هو مدينة القاهرة - المومس والشرطي والفتوة. فكل روايات نجيب محفوظ خرجت من هنا وهي كلها تصور هذا العالم (المحفوظي) الخاص.. والذي هو مدينة القاهرة (الزمان والمكان) الجوهر والتفاصيل الصغيرة التي تدور كالمجرات حول الثابت.

* ولك ايضاً ان تتأمل نصوص الامريكيين الجنوبيين (فوكنر / وتنسي وليم) حينما صورا الأقو الادنى.. (الجنس والجنون).

* ولك ايضاً الروائيان السودانيان الطيب صالح وابراهيم اسحق.. فالأول صور الشمال والثاني صور الغرب. الاول مشغول بالعروبة السودانية ثم بصراع الثقافات العصري ما بين المحور الخاص والاساسي في عالمه الروائي.

* اما ابراهيم اسحق.. فهو مشغول باسلامية الافريقية.. مشغول بتأمل.. تلك الفجوة في حوش كلتوم.. تلك الفجوة التي يمكن ان تكون بوابة اتصال ثقافي جديد.. او ربما هي الهوة الفاصلة بين عالمين.. لذا يمكن ان نقول إن هذا ما يشكل كل عالم ابراهيم اسحق.. هذا البحث الدؤوب في رصد تحولات الاتصال والانفصال بين العالمين.. ولهذا فان استمرارية ابراهيم اسحق دؤوبة ولن تتوقف بداً.

* اما الطيب صالح.. فقد توقفت الحركة في عالمه الروائي.. لأن عالمه قد تكامل واكتمل ما بين الجوهر وتفاصيل حركة التفاصيل.. وسكن عند الجوهر.

* ان عالم الطيب صالح.. مثل دائرة تم اكتمالها.. فانغلقت على نفسها

 

===================================================

بعد فوزه بجائزة ملتقى الرواية

الطيب صالح: يانصيب نوبل

توقفت عن الكتابة لأن الإبداع يلتهم الحياة

نعم كتبت إقرارا بأننى موافق على الجائزة

لا أجيد الحديث فى السياسة

لم أقصد صنع الله إبراهيم عندما تحدثت عن رفض الجوائز

سارتر أخطاء برفض جائزة نوبل

أنا متألم لما يحدث فى السودان

الجوائز لا تشكل أى دافع للإبداع

ترجمة الأدب العربى ليس لها تأثير كبير فى الغرب

الرواية العربية ساهمت فى تأكيد القومية

الرواية العربية فى حالة ازدهار

لم أكن أتوقع الفوز بالجائزة

بعد أن أعلنت لجنة التحكيم فوز الكاتب السودانى الكبير الطيب صالح، صعد للمنصة لتسلم الجائزة وألقى كلمة قصيرة جاء فيها: كون هذه الجائزة تأتى من مصر فهى لها وقع خاص لى، وأنا سعيد بالأصالة عن نفسى وعن وطنى السودان، لأن أى تكريم لى هو تكريم لبلدى.. وأنا أشعر بغبطة أن يختار المحكمون واحدا من هذه البلد، رغم أنها عظيمة لكن القوافل لا تتوقف عندها، وأنا متأكد أن السودانيين سيكونون سعداء..
وقال صالح أيضا: بطبيعة الحال الكاتب لا يكتب من أجل الحصول على الجوائز، لكن إذا جاءت الجوائز فأنا أرى أن من الحماقة أن يرفض الكاتب التكريم. وهنا ضجت القاعة بالتصفيق.. هو ما فهمه الكثيرون أنها ضربة تحت الحزام لصنع الله، لأن صالح لم ينس الإحراج الذى تعرض له، حين رفض صنع الله إبراهيم الجائزة، فى الدورة الماضية عام 2003، بينما كان الطيب صالح هو رئيس لجنة التحكيم.
وعن عدم كتابة عمل إبداعى منذ فترة طويلة، أرجعها بعض النقاد لما يقرب من ثلاثين سنة، لم يقدم خلالها سوى قصة واحدة ضمها لمجموعة من القصص التى سبق نشرها، وصدرت فى مجموعة العام الماضى. قال صالح:
فى خضم هذا الأتون الذى نعيش فيه، لم أكتب إبداعا ليس لأننى لا أستطيع الكتابة أو ليس لى ما أقوله، ولكننى أراوغ ربات الفن، فكل فن له ربات تحرسه، وأنا أقول إننى أراوغهن وأكتب من الحين إلى الحين.. وأحمد الله أن هذه المراوغة قد نجحت إلى الآن.. لأن أتون التجربة الإبداعية يلتهم الحياة.
وفى مؤتمر صحفى عقب استلامه للجائزة قال الطيب صالح: بطبيعة الحال هذه الجائزة ستكون دافعا لى لمضاعفة الجهد لمزيد من الإنتاج، لكننى أقول دائما إن الجوائز ليست الهدف للإنتاج الإبداعى ولكن لو هناك جوائز يكون شيئا جميلا، أن يكرم المبدع ويشعر باعتراف بجهده.
وعن رأيه فى مقولة النقاد ومنهم د. جابر عصفور رئيس المجلس الأعلى للثقافة إن هذا زمن الرواية قال صالح:؟أنا أتفق على أن الرواية فى هذه الآونة فى حالة انتعاش وازدهار، وتقوم بجهد عظيم جدا لرسم خريطة إبداعية للعالم العربى. ففى فترة هذا المؤتمر يوجد فى مصر الآن مبدعون من كل أنحاء العالم العربى، يكتبون عن بيئات كانت مجهولة لباقى أقطار العالم العربى. ومن هنا فإن الرواية العربية بدأت تملأ فراغ المناطق المجهولة من الوطن. بحيث يمكن للإنسان العربى أن يشعر بقوميته، وأنه مرتبط بهذه المنطقة التى يعرفها من خلال الإبداع. إلى جانب أنها تبث أفكارا ما فى قالب فنى وتناقش قضايا مهمة مطروحة على الساحة العربية.
وعن قصده التلميح لصنع الله حين قال من فوق المنصة: إذا جاءت الجوائز فأنا أرى أن من الحماقة أن يرفض الكاتب التكريم قال:
أنا لم أقصد صنع الله أو أى أحد بعينه.. ولتنظروا لكلمتى فى سياقها.. فمثلا سارتر منح جائزة نوبل ورفضها، وأنا أرى إنها حماقة.. فهو يمكن أن يقبلها ثم يمنحها لعمل خير. هذه كل الحكاية لكننى لم أعن صنع الله تحديدا.. فأنا أرى أن الكاتب العربى عامة، حين يكرم من بلد عربى آخر فهو بين أهله فإذا أهله كرموه فهذا شيء جميل مهما كان رأيه فيهم.
وعن نشاط حركة ترجمة الأدب العربى فى العديد من الدول الغربية، وبخاصة الرواية قال:
الرواية العربية أدخلت مناخ الأدب العالمى شيئا جديد. فحكايات ألف ليلة وليلة التى ذهبت للغرب قادمة من منطقتنا، عملت ثورة كبيرة عندهم. ومن هنا بدأ المترجمون الغربيون الالتفات لترجمة الكثير من إبداعاتنا. ولكن لا ازعم أن هذا التأثير أصبح على نطاق كبير إنما هناك بلا شك مزيد من الاهتمام.
وعما إذا كان يتوقع الفوز بالجائزة قال:؟أنا لم أعرف بالجائزة إلا اليوم قبل إعلانها بوقت قصير، ولم أكن أتوقعها.
وحول حقيقة توقع المرشحين للجائزة على إقرار بقبول الجائزة قبل إعلانها لتكون حتى لا تتكرر مشكلة صنع الله إبراهيم الذى رفض الجائزة على الملء وأمام الكاميرات قال:
كانت هناك قائمة بعدد من المرشحين كل واحد منهم كتب إذا منحت الجائزة أقبلها، وهذا طبيعى وفى حديث جانبى خاص بالعربى سألته عن كيفية استخدامه للتراث بهذه بالبراعة فى أعماله قال: حقيقة إن التراث موجود فى دمنا، وجزء من تكويننا، هو ميراثنا. فأنا منذ صغرى تثير خيالى حكايات الماضى، أذهب إلى جدى فيحدثنى عن الحياة قبل أربعين وخمسين عاما، بل ثمانين عاما فيقوى إحساسى بالأمن. لهذا فأعمالى كلها تدور فى محيط القرية.
- وماذا عن ترشيحك لجائزة نوبل فى الأدب؟
-- هى كاليانصيب ولن تأتى فى الغالب.. لو جاءتنى سوف أفرح بها، ولا أزعم أنى فوق هذا، ولكن حقيقة لا أشغل نفسى بها.
- هل ستزور السودان قريبا؟
-- أن الإنسان لا يقرر أين يذهب وأين يعيش، إنما الله سبحانه يحدد وجهته.
- ما رأيك فيما تتعرض له السودان الآن من مشكلات خاصة إنك كنت من المؤيدين لحق تقرير المصير لسكان الجنوب؟
-- يقول فى حزن شديد: أنا لا أحب الحديث فى السياسية، لكننى بكل تأكيد متألم لما يشهده وطنى من أزمات، وحروب. وأنا أرى أن اتفاقيات السلام ظلمت الشمال كثيرا.
الآن لندخل لعالم الطيب صالح الذى دخل أتون الكتابة منذ سنوات بعيدة، لنتعرف على الطيب صالح كظاهرة فى الأدب السودانى، فلم يذكر الأدب السودانى إلا وذكر الطيب صالح، رغم إنه مقل فكل ما قدمه إلى الآن ثلاث روايات وبضع قصص، إلا أن إنتاجه شديد الخصوصية والتفرد.
ولكن فى عطائه يكمن سر البقاء والخلود الفنى الذى ترجمت أعماله إلى معظم لغات العالم. والمدهش أن ما كتب عن الطيب صالح أضعاف ما كتبه، ودرست أعماله مئات الرسائل العلمية فى كافة أقطار الوطن العربى، والأجنبى. من هنا الطيب صالح ظاهرة خاصة قلما تتكرر. وهو كثيرا ما يدعى فى كافة أنحاء العالم كمحاضر فى الأدب الإفريقى والسودانى. لأنه من أشهر الكتاب المنتمين لهذه القارة، رغم كونه لا يكتب من سنوات طويلة، إلا أنه لم يفق شهرته فروايته الشهيرة موسم الهجرة إلى الشمال أختيرت فى الدانمارك منذ ثلاث سنوات، كواحدة من أفضل 100 عمل روائى فى تاريخ الإنسانية. وتعد هذه الرواية هى سبب شهرت الطيب صالح. ربما لكونها أول رواية فى الأدب العربى تتناول ظاهرة الصدام الحضارى بين الغرب، والشرق. لهذا لم تمر فترة طويلة على صدورها حتى ترجمت إلى معظم لغات العالم حتى اليابانية والروسية والصينية، كما قام الإسرائيليون بترجمتها إلى العبرية. ربما يرجع ذلك لاحتفائه بالطقوس السودانية، التى أخرجها من المحلية للعالمية، والتى يتناولها بدون تصنع، ويبدو فيها مزيج من ثقافات عديدة متباينة. وهو ما يميز الثقافة السودانية عن مختلف الثقافات العربية ، ففيها الملامح الأفريقية الفطرية، والثقافة العربية الإسلامية. إضافة للثقافة المسيحية. وهى رواية نشأ حولها الكثير من الخلافات فى العديد من الدول العربية، بل فى الدولة الواحدة ومنها مصر. فبينما أعجب بها البعض، لدرجة دفعت بعض الأكاديميين لتدريسها فى الجامعات. طالب البعض الآخر بمصادرتها.
كرم الطيب صالح، وفاز بالعديد من الجوائز العالمية.
وقد ولد الطيب محمد صالح أحمد سنة 1929 فى قرية الدبة محافظة مروى، شمال السودان، درس فى وادى سيدنا قبل أن ينتقل إلى كلية العلوم بالخرطوم، ثم سافر لبريطانيا وحصل على شهادة فى الشئون الدولية. عمل مدرسا لفترة، ثم تنقل بين عدة وظائف منها: العمل فى الإذاعة البريطانية فى لندن، وممثلا لليونسكو فى قطر لمدة خمس سنوات بين 1984 1989، ثم مديرا للإعلام فى السودان.
نشر أول قصة له سنة 1957 ثم توالت أعماله وهى: رواية عرس الزين 1962تحولت إلى فيلم سينمائى من إخراج الكويتى خالد الصديق، رواية موسم الهجرة للشمال 1971 رواية ضو البيت، مريود ونخلة على الجدول ودومة ود حامد وبندر شاه. وأخيرا صدرت طبعة جديدة من رواية موسم الهجرة للشمال عن دار العين للنشر بالقاهرة. ثم مجموعة قصصية بعنوان منسى إنسان نادر على طريقته! 2004. وهى عن مجموعة مختارات من أعماله إضافة لقصة جديدة والتى تحمل عنوان المجموعة..

وفاء حلمي

 ===================================================

 

 

 

 

دراسة نقدية لـ  مصطفى يوسف

  


ليس أدل على فهم الإنسان والغوص في أعماقه ودواخله، من الكلمات التـــي ( يتفوه ) بها في لحظة صدق أو تجلٍ .. فهي المعبر الوحيد عن مكنون ذاته .. والطيب صالح هذا الأديب الذي خرج علينا بسرعة الصاروخ، منطلقا كما السهم من الوتر ..

لاتزال أعماله تحدث كل يوم ( هذا ) الأثر الصاعق حولها .. فما من منتدى أو حلقة نقاش أو مؤتمر إلا وكان الطيب القاسم المشترك فيه .. أديب يعرف كيف يختار كلماته بدقة وعناية يحسد عليهما .. يتحدث كما يكتب .. يأتي حديثه كما كتاباته عميقة حلوة .. تأتلق حروفه في سماء المتعة .. وتتوهج معانيه بالمعرفة والعلم .
وكاتب هذا حاله، وهذه طريقته في الحديث والكتابة، لا شك أنه يحتاج إلى عناية فائقة .. فالطريق إلى معرفته ليس سهلاً .. وهذا لا يدل على أنه صـعب الفهم .. لا بل هو طيب كاسمه .. بسيط بساطة أهــــل الأرض التي أنــجبته ( السودان ) .. لكن هذا يعني الخوف من ولوج عالمه دون فهم عميق .. فالكتابة عنه يجب أن تأتى في مستوى أعماله وفي ( سخونة ) شخصياته وفي بساطة نفسه دون ابتسار .. واعترف أن الخوف قد تملكني .. واعترتني الدهشة وأنا أحاور نفسي زمناً ليس بالقصير عن الكيفية التي أتناول بها الطيب صالح والأسلوب الذي اقدم به ذلك .. مخافة أن اقدم عملاً مشوهاً ،ذلك مع تسليمي أن الإبداع عملية تستوعب كافة  الآراء وتحتوي كل التذوقات وتظل جاهزة بكل أشكالها على الدوام لاحتواءالمزيد والمزيد من الإحكام ..

سأحاول بدءاً أن اقف عند فلسفة الطيب صالح في الكتابة وفي أشياء أخرى حتى أجد الضوء الأخضر الذي يعين على فهم أدبه وفهم نفسه والولوج إلى عالمه الفسيح .. لأنني أؤمن أن الأديب الذي ينطلق من رؤية واضحة للأشياء وفهم عميق للعلاقات التي حوله ومن فلسفة تضع كل شئ في نصابه .. مثل هذا الأديب لابد أن يقدم أعمالا لا يستطيع المرء إلا أن يقف عندهاا بالدوفيق والتمحيص لأنها تحمل كماً هائلاً من المعرفة والمتعة، ولابد أن ينحنى إجلالا وتقديراً لها .. وأعمال الطيب صالح تقف شاهداً على صواب فلسفته وعمق فكره وبإحاطته الشاملة لمجمل العلاقات التي تحكم وتتحكم في الوسط الذي يحيط به .. ويتعايش معه ويحاوره 00 كل الذين قرأوا أعماله - لأول مرة أدركوا هذه الحقيقة فتملكتهم الدهشة .. وأنا منهم ..فقد حلق بي هذا الأديب في سماوات من الجمال وأسرني بأسلوبه وطريقته في التناول والعرض.. فأنت تجد في كتاباته القديم والجديد ..التراث والتاريخ .. الرأي والموقف.

ولعل المدخل السليم إلى فهم فلسفة الطيب صالح في الكتابة هو محاولة فهم الشخصية السودانية ذاتها .. ولأن المجال لا يتسع هنا لبسط كل ملامح وسمات هذه الشخصية، فإنني سأتوقف عند ( أس ) هذه السمات وهو الزهد .. فقد عُرف عن هذه الشخصية زهدها الشديد ولعلي أجد لذلك تفسيراً في تاريخ هذه الشخصية .. فبعد دخول العرب الإسلام إلى السودان، انتشرت فيه الطرق الصوفية التي تلائم أسلوب الحياة المتقشفة كما تلائم طبيعة السوداني .. انقطع هذا الإنسان - الصامد رغم قسوة الطبيعة والحياة إلى العبادة والزهد في كل شئ .. ومع استمرار الحياة صار الزهد طابع هذه الشخصية ..ولا يزال الزهد هو الطابع العام لها إلـــى اليوم ..نلمس ذلك في جميع مظاهر الحياة اليومية .

انعكس الزهد في مظاهر الحياة الإبداعية ، فأصبح النفر من هؤلاء لا يكتب إلا عندما يبلغ السيل الزبى .. كما انه لا يهتم بنشر ما يكتب .. وهذا يفسر لنا جانباً من ضعف حركة النشر بالسودان على المستوى الرسمي وعلى مستوى الجهود الفردية .. أقول ذلك على الرغم من غنى الحركة الإبداعية وتفردها .. فقد قدم السودان قمماً أدبية وفكرية لاتزال ترفد نهر الإبداع العــربي بالجديد القديم ( رغم قلة المنشور منه ) .
 
      رضع الطيب صالح - كغيره من مبدعي السودان - هذا الزهد المتأصل في التاريخ ، فأصبح زاهداً في الكتابة ..لا يكتب لمجرد أنه يريد أن يكتب .. فقل إنتاجه وبلغت أعماله حتى الآن ثلاث روايات وبضع قصص، إلا أنه هذا الإنتاج القليل يتفرد بصــفات وخصوصيات يندرأن تتوفر في روايات وقصص أخرى .. مرة كتبت عنه الأديب  السورية غادة السمان تقول(هوأديب غير عادي.. فقط لو يكتب )  ..
   يرى الطيب صالح أن الكتابة لحظة .. فأما أن تستغل أو تضيّع .. وهي اللحظة التي يأتيه فيه الإلهام .. وتتدفق عليه الأحداث .. وتتدافع نحوه أبعاد وتفاصيل وتضاريس الشخصيات .. وهي لحظة لا تقاوم عنده .. لذلك يظل مدفوعاً نحو الكتابة بكم هائل مما يعتمل في دواخله دون تكلف ودون توعر .. تأتى كتاباته كأطياف الشعر .. سهلة حلوة .. فيتأثر وفقاً لهذه الحالة الأسلوب .. فلا غرابة ولا لجوء للمحسنات اللفظية والبديعية .. بل السهل الممتنع الذي تشعر به قريبا منه ومن وجدانك وفهمك .. بعيداً عنك وعن إمكانية تناولك .
        فلسفة الطيب صالح في الكتابة تنبني على ادراك بأهمية التراث والموروث القديم في عظمة وجدة الحاضر ..ولذلك يبدو في كتاباته في حالة حوار دائم مع القديم في كافة المجالات .. ولو دققنا النظر جيداً في ( موسم الهجرة إلى الشمال ) لأطل أبو العلاء المعري وأبونوس وأحمد شوقي وآخرون من بين السطور .. مما يعني الارتداد نحو الجذور العربية والاحتماء بهيكلية القديم في تشكيل الجديد .. يعرف كيف يوائم بين البيئة القديمة والبيئة التي تتحرك فيها أبطاله وشخصياته  إلى الدرجة التي تجعلك تحس بكل شئ وكأنك تعيشه وتراه .. أنا شخصياً عندما أقرأ رواياته وقصصه اشتم رائحة اللوبيا والنخيل وارى الفلاحين وهم ينهمكون على زراعة الأرض وفلاحتها .. تتجسد أمامي ارض الشمالية بكل تفاصيلها وعطائها .. لوحة لا تجسدها إلا ريشة فنان ..
 
   الطيب صالح في كتاباته يشعر بأنه مقيد ككل أدباء الشرق بشيء ( ما ) في الدواخل .. ربما يكون هذا الشيء حدود الدين أو العرف والعادات أو التقاليد .. فقد أجريت له عام 1987م 
محاكمة أدبية في الخرطوم نظمها اتحاد الكتاب اتهم فيها بأنه اقتحم المناطق المحظورة وادخل الجنس في القرية ، فقال إنه كان ينقل واقعاً .. واردف يقول ( الكتاب في الغرب يستطيعون أن يقولوا كل شئ ، فلا أفق يحدهم ) .. ومعنى هذا الحديث أن الكتاب في الشرق وهو فهمه لهم ما يؤطر أفقهم ويحد من انطلاقتهم في التصوير .. وفي الاستفادة من كل ما هو متاح .. ورغما عن ذلك لا يزال الطيب صالح متهماً بالجرأة الفائقة في استخدام الجنس في نصوصه .. وأنا أستطيع أن أقول ان ذلك يتم للاستفادة منه في فنية النص .. وان الجنس لا يقحم في النص باعتباره تذويقاً له مثل ما يفعل الآخرون .. ولو رجعنا إلى روايته ( موسم الهجرة إلى الشمال ) وهي الرواية التي استخدم فيه الجنس كثيراً، لوجدنا أن له غاية في النص وهي توضيح الفارق بين الجنس الذي مارسه مصطفى سعيد في لندن كأسلوب وسلاح للغزو والانتقام، والجنس الذي مارسه بعد رجوعه للسودان باعتباره وسيلة وطريقة لاستمرار الحياة ( يرى الطيب صالح ان الجنس موجود في التراث العربي .. خاصة الشعر ) .
   الطيب صالح عندما يكتب فإنه ينتصر على معوقات كثيرة، منها ما هو نفسي، وما هو اجتماعي ( لأنني كانسان عادي غير راغب في الغوص في أعماق نفسي ..أريد أن أعيش على سطح الحياة كسائر الناس ) .. ولهذا، فالطيب صالح يفرق بين الإنسان العادي والكاتب الذي يجب عليه أن يغوص في أعماق نفسه ليخرج  لنا هذه الكنوز واللالىء ، وهو عندما يمارس حياته كانسان عادي فلا يهتم كثيراً بالبحث في تفاصيل الأشياء وعلاقاتها .. أما عندما يكتب فانه يتعمق ويغوص في العلاقات بين الأشياء ويربط بينها ولذلك فنحن نحس في إنتاجه بهذه الكثافة والغنى والعمق ومحاولة استكشاف ما هو كائن خلف ما هو بادٍ  .
       ( مشاكلي النفسية  مرتبطة بعملية الكتابة فقط ، لأنني أغرق في ينبوع داخلي عميق وهذا الينبوع هو منطقة الفوضى .. الفوضى هي أن يصبح كل شئ محتمل، وكلما أوغل الكاتب داخل نفسه بحثاً عن الضوء كلما ازدادت الفوضى .. ثم تأتى مرحلة تستقر خلالها عملية الخلق فيتضح الطريق وقد يكون خطأً أو صحيحا ..المهم في اللحظة نفسها يكون هو الضوء ).. لذلك فإن عملية الخلق عند الطيب صالح تعني التوغل في منطقة الفوضى ،بحثا عن الضوء فيتوه ويفصل عن هذا العالم بحثا عن التضاريس التي تحدد تفاصيل عمله الجديد ..وقد أحسسنا بذلك في موسم الهجرة إلى الشمال ،عندما اختلط الحلم والواقع والحقيقة بالخيال وتحول التاريخ إلى قواد وتبادلت الشخوص الأدوار ..
ولعل هذا يفسر الانسجام والتجانس في المشاهد التي يصورها
والإتساق بين كلماته وجمله إلى الدرجة التي تجعل القارئ يلهس وراءه لهاثاً .. ووفقاً لحديث الكاتب هذا فإن الكتابة هي الضوء الذي ينير للناس دياجير حياتهم ويخلصهم من الظلمة التي يعيشونها .. فالكتابة توجه، تقود، تنير الطريق، وهذه غايات لا يصل إليها ويدركها إلا من أدرك معنى عملية الكتابة والإبداع ..و يتسق هذا مع ما يجريه الكاتب من حوار على ألسنة بعض أبــطاله..( سنهزم الفقر ونخضع الشمس ذاتها لارادتنا ) ، إذن للكاتب قضايا يعمل من أجلها وأهداف يناضا من أجل تحقيقها والكتابة هي وسيلته في ذلك .. فهي تحرك العقلية وتهيئها لتقبل الجديد من الأفكار والرؤى .
( كل أنواع الكتابة بغيض إليٌ وأنا لا اكتب إلا إذا بلغ السيل الزبى) .. فإذا تساءلنا هنا يا ترى ما سبب هذا البغض ؟ ..  تكون الإجابة أن ذلك يعود إلى الزهد الذي تتميز به الشخصية السودانية التي لا تسعى إلى الشهرة والمجد بقدر سعيها إلى الرغبة في حياة مستقرة هادئة سعيدة ..ورغما عن ذلك فإن الكاتب يجد نفسه مدفوعا للكتابة مرغما عليها لتوضيح شئ أو لتجسيد موقف أو لإعلان رأي .. وهذا يكشف لنا أن الكتابة عند الكاتب ليست ترفاً أو تسلية، بل لها أهدافا ومرام تتجاوز مصالح الكاتب إلى غايات إنسانية تخدم الفكر الإنساني وتساعد في ثراء التجربة الإنسانية .. وهذا هو قمة الإحساس بالمسؤولية عن الكتابة التي ينبغي ألا تمارس لمجرد تزجية الفراغ أو قتل الوقت، بل يجب أن تمارس لاهداف وغايات أسمى وأكبر ..ولذلك فإن روايات الطيب صالح وقصصه تتكثف فيها المعارف وتتقاطع فيها الثقافات وتتنوع فيها الرؤى وتتجدد فيها المواقف بدرجة يحار المرء فيها .. ومرد ذلك كما أرى يعود إلى إدراك الكاتب لوظيفة وغايات وأهــداف عملية الكتابة ..
 
 ( إن للفـن غايات تثقيفية جماهيرية وهو عنــده جزء متمم للأبعــاد الفكــرية ..وصورة ما هو كائن في الفن لا تنفصل عن صورة ما سيكون ومن  يرفض الماضي بكليته هو اعجز عن بناء المستقبل والحاضر.. ولكن الطيب صالح وهو يصيغ هذه الأفكار يشخصها بحيث تبدو وكأنها قصة سيرة ذاتية ..)  ولهذا فقد قلت ان الكاتب شديد الاعتداد بالماضي والتراث .. يعرف جيداً ما لهما من أدوار وأبعاد في تشكيل الحاضر ورسم آفاق المستقبل .. كما أن في هذا  التراث الإجابة على العديد من الأسئلة التي تؤرق بال الحاضر وتحاصره .
   ويمكننا اعتبار أن فعل الكتابة عند الطيب صالح تعبير عن قلق عميق يعيشه مثقف إفريقي في زمن أصبح مطلوبا منه وبسرعة تحديد المــسار والطريقة والوجهة ..عليه أن يختار نمطاً في التفكير والعيش والنظر إلى الآخرين .. وهذا هاجس يحفز على الإبداع ويطرح أمام الكاتب قضايا مصيرية ملحة تتطلب إعلان الرأي عنها بشجاعة ..
   بعد هذا نتعرف على لسان الطيب صالح على الذين تأثر بهم .. يقول الكاتب إنه تأثر بكل من مصطفى صادق الرافعي .. طه حسين .. أحمد ذكي .. إبراهيم عبد القادر من مصر .. جمال محمد أحمد ..والمرحوم أحمد الطيب من السودان .. مارون عبود من لبنان .. محمود السعدي من تونس .. ويعترف أنه مدين بصفة خاصة لأستاذه جمال محمد أحمد.. ومن الأجانب يقول إنه تأثر بشكسيبر وجوناثان سويفت وكنراد وفوكنر وتعجبه الرواية الإنجليزية في القرن التاسع عشر بشكل عام.
   وبالرجوع إلى الرواية الإنجليزية في ذلك الوقت نجد أن سماتها انحصرت في الدفاع عن قيم الريف الإنجليزي وتحصينه ضد حضارة المدينة وشحن الإنسان بالاهتمامات الشاملة لتغييره إلى إنسان افضل. والعمل على تحطيم القيم البالية ..و دراسة النفس الإنسانية من خلال الخلفية الاجتماعية .. ولهذا عرفت سر إعجاب الكاتب بها ، لأننا في رواياته نجد شيئاً من هذا وذلك .

   الكاتب وهو يمارس الكتابة ينحاز بأقصى درجات الانحياز إلى فنية النص وذلك بإعمال كافة أدوات العمل والمعرفة التامة بحرفية الرواية .. كما أنه يمارس صدقاً مع القارئ بانحيازه الكامل لقضاياه وتحفيزه الدائم  له ليواصل فعل القراءة ليسجد الرواية بالتعويل المستمر على عملية الخيال المضبوطة بوضع مثيرات وإشارات داخل العمل ..
   الطيب صالح وهو يمارس فعل الكتابة يقع تحت دائرة جذب اجتماعية فنية .. فهو يثمن دور الماضي في تشكيل ملامح الحاضر والمستقبل ..و القول بحتمية التغير بل والمناداة به .. لذلل فإن القوانين الاجتماعية التي يحتويها أدبه هي قوانين متحركة تستوعب حركة وتغير المجتمع، ويعبر الفن عنده بالضرورة عن صور الوعي الاجتماعي في تصورها لطبيعة العلاقة بين الفن والحقيقة .
   نكتشف مع الكاتب أن الكتابة عنده ( قيمة ) ينبغي أن توجه لخدمة المجتمع وذلك بالبحث الدائم عن الجمال الكامن وراء الظواهر المجردة لاستجلاء القيم والفضائل التي يتمتع بها هذا المـجتمع وإبرازها وتوضيـحها لتظل حية باقية في ذاكرة الأجيال ..
   (يا عبدالله نحن كما ترى نعيش تحت ستر آلمهيمن الديان، حياتنا كد وشظف .. لكن قلوبنا عامرة بالرضى .. ناس سلام وقت السلام وناس غضب وقت الغضب .. (الـ) مايعرفنا يقول إننا ضعاف ، إذا نفخنا الهواء يرمينا ، لكننا في الحقيقة مثل شجر الحراز النابت في الحقول ) .
   وبهذا فهو يساعد في اتصال ماضي الأمة بحاضرها واستمرار الحياة دون إحداث فجوة بين الأجيال ..( حياتنا طريقها مرسوم من المهد إلى اللحد )0
 
يهتم الكاتب الجانب الاجتماعي في الرواية ، ليس بصورة مجردة،  إنما بطريقة تمتزج فيهال الجوانب الاقتصادية والسياسية التي ترفد العمليةالإبداعية بأدق التفاصيل .. ولو استثنينا جزءاً من موسم الهجرة إلى الشمال وبعض الأسطر القليلة المتناثرة هنا وهناك ،  لأمكننا القول بأن الكابت يكتب الرواية الاجتماعية بمعناها الدقيق .. فمثلاً  كانت ( عرس الزين ) رواية اجتماعية بالمعنى الدقيق للكلمة، انبنت على حدث اجتماعي ( زواج الزين من نعمة ) وداخل هذا الحدث عرض لنا الكاتب أدق تفاصيل حياة المجتمع وكشف لنا عن مجمل العلاقات بين أفراده وأوضح لنا القانون الاجتماعي والأخلاقي الذي يحكم هذا المجتمع بالإضافة إلى دور الجانب الصوفي في الحياة .
   يستفيد الكاتب من النظريات العلمية وكل ما تطرحه حركة المعرفة من معلومات لإثراء جزيئات نصه ..
( الدنيا كلها تكبر .. والكنبة دي في حالتها ) .. هذا هو مفهوم نظرية النسبية لـ( انشتاين ) يحلي به الكاتب روايته .. يستدعي هذا المفهوم ليجسد  لنا حدة التغيير الذي يسود ودحامد بعد رجوعه إليها .. فالكنبة لا تتغير،  بل هي تمتاز بصفة الثبات ولكن مظاهر الحياة وتفاصيلها تتغير .. لذلك فالتغيير يمكن ملاحظته في ظل شئ يحظى بالثبات .. وهكذا فالمعنى يقرب من أذهاننا بدقة ..
 

 

 


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع البركل
Designed By Khalid Elhag