
| العنوان أعلاه مُستلفٌ من الحياة الرعوية السودانية (والسودان كلُّه رعويُ السلوك)، إذ يقول المثل (الجفلن خلَّهن أقرع الواقفات) والمُراد أنَّ اللائي تسرَّبن (هربن) من الأنعام اتركهن وأحرصْ على البقية) أي لا تجرِ وراء ما ضاع.. إنما (أبقى عشرة) على ما تبقَّى لك.. ولعلَّ هذا يقع وقعَ الحافرِعلى الحافر مع المثل الشعبي الآخر الذي يُنادي بـ(مواكاة الجُراب على العَقاب)، و قول البارودي (إن لم تخُنِّي الذاكرة الخِرِبة هذه)، لستُ لأمرٍ لم يكن متوقَّعاً ولستُ على شيءٍ مضى أتعتَّبُ.. أمَّا القولُ الفصل.. ففي قوله تعالى ( لكي لا تأسوا على ما فاتكم ...) الآية قصدنا من هذه الرمية تعزية شريكَي الحُكم في السودان ،المؤتمر الوطني والحركة الشعبية لتحرير السودان، في رحيل مشروعيهما السياسيين، وهما على التوالي المشروع الحضاري والسودان الجديد.. فإتفاقية نيفاشا التي جاءت نتيجةً للإرهاق الذي أصاب الطرفين المتحاربين، وفشل أيّ منهما في تطبيق رؤيته أو القضاء على الطرف المنافس، لذلك يكون من الطبيعي أن يحدث التنازُل عن هذه المشاريع.. فتقرير المصير يعني تلقائياً تمزيق ورقة السودان الجديد وإشراك الحركة الشعبية في كافة مستويات الحُكم والتشريع يعني ذهاب ريح المشروع الحضاري.. ولم يبقَ للشريكين إلاّ الذكريات والمرارت القديمة لتحكُم علاقاتهما، لذلك ظهر هذا التوتُّر القائم الآن. نحن لسنا بصدد محاكمة المشروعين أو حتى نقدهما، فهذه قصةٌ أخرى، إنما الذي نحن بصدده هو توصيف الحالة القائمة ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً، فالصراعُ القائم بين الحركة والمؤتمر ليس صراعاً أيديولويجياً ولا طبقيَّاً إنما صراعُ سلطةٍ وثروةٍ، وبطريقة (الحشَّاش يملا شبكته)، لا، بل يعوزه حتى شعارُ اللعب النظيف، فالضربُ تحت الحزام هو السائد ( أصلو ياهو حال السياسة في كل مكان).. لكن الذي نرجوه من الشريكين هو أن يعترفا بأنَّ مشروعيهما النظريين قد راحا في خبر كان. معليش.. نقول تواريا عن الأنظار ولاّ أقول لكم حاجة بلاش من هذا كله.. فليُكابرا وليُصرَّا على أنهما حزبان رساليان، ولكن من حقِّنا عليهما أن يسمعا لما نقول لأنَّهما المتحكِّمان في أمرنا، وبموجب ذات النيفاشا التي لحَّقت تنظيريهما (الغُطُس) بضم الغين.. فالذي نطالب به هو ألاّ يُلحِّقا هذا السودان الغُطُس، فإن سقط المشروعان فمازال في (كأس السودان) باقٍ. هذا السودان أقدم من المؤتمر ومن الحركة ومن أي حزبٍ، ورغم كل شيء فأنَّ السودان بلدٌ واعدٌ فوق الأرض وتحت الأرض، ومناخاً وبشراً ويمكن أن يكون في مصافِ الدول المتقدمة بما له من إمكانياتٍ ماديةٍ وبشريةٍ. السودان دولة(إن كانت فاشلة) ومجتمع فيه ما يجب الحفاظ عليه، وكما غنَّى الفنَّان الذري (فيهو النيل.. النيل الخالد.. فيهو الخال والعم والوالد.. فيه جمال بين طارف وتالد.. والخيرات أشكال وألوان) ، ولعلَّ قوة السودان مجتمعاً ودولةً قد ظهرت في سقوط المشروعين ليكون في ذلك درس لكل مُنظِّر(عامل فيها أبو عرّام) بأن الواقع السوداني هو الذي يفرض خياراته، وأنَّ ذكاء النُخبة يجب أن يتجه لما يفيد الناس وليس للتنظير (وطقّ الحنك). قصدنا القول إنَّ سقوط المشروعين أصبح أمراً واقعاً، وإنّ الحاكميْن الآن يحكمان بقوة الأمر الواقع، فعليهما ألاّ يكابرا، ويفضّا سيرة هذه المشاريع النظرية، ويتجها لما فيه مصلحة البلاد والعباد، فالمشروع الحضاري والسودان الجديد قد(جفلا) إلى غير رجعةٍ، ولكن يبقى في السودان الكثير الذي يصلح برنامجاً للعمل السياسي وحشد المؤيدين. | |
القسم : المقال - الزيارات : [169] - التاريخ : 24/12/2009 - الكاتب : د. عبد اللطيف البــــونــي .
hiKcLG <a href="http://lucavoitvhcw.com/">lucavoitvhcw</a>, [url=http://irtoluvijesa.com/]irtoluvijesa[/url], [link=http://dstmqlqbaprb.com/]dstmqlqbaprb[/link], http://gwshwakjmpnx.com/