
مازلت أذكر الدهشة التي انتابتني وأنا أقرأ مذكرات أحد قادة ثورة يوليو المصرية، وأظنه حسين الشافعي، وهو يتحدث عن نكسة حزيران 1967م وكيف أنّ المشير عبد الحكيم عامر أسهم في تلك الهزيمة القاسية، وكيف أنّه تسبب في ضربة سلاح الجو المصري الذي بناه بدم قلب الشعب المصري لكي يسقط عبد الناصر، فعلى حسب براءتي السياسية يومها كنت مستغرباً كيف يمكن أن يحطم قائد مقدرات بلده من أجل وظيفة أو مكسب سياسي؟ ثم كبرنا وكبرت أحزاننا وعايشنا الصراع السياسي في بلادنا وشاهدنا كيف يمكن أن تمارس الحكومات والمعارضات لعبة كسر العظم على حساب الشعب، وعندما امتد بنا العمر عرفنا أنه داخل الحكومة الواحدة يمكن أن تمارس لعبة كسر العظم من أجل المصلحة الخاصة. فالمتشاكسون داخل الحكومة الواحدة لا بل داخل التنظيم الواحد يمكن أن يهدروا مصلحة تكلف البلاد ملايين الملايين من أجل الانتصار للذات ومصلحتها الخاصة. ليتهم ( تطالعو الخلا) وحسموا معركتهم مباشرة وكفوا الشعب شر الهلاك؛ وبهذه المناسبة تحضرني طرفة عيدي أمين عندما نشبت الحرب بين يوغندا وتنزانيا التي كان يرأسها المعلم نايريري، فاقترح عيدي على المعلم أن يلتقيا ويتصارعا رأسا والقوي يقضي على الضعيف ويرتاح الشعبان من رهق وعناء الحرب.. مناسبة هذه الرمية هو الصراع الذي نشب مؤخراً بين هيئة الكهرباء وهيئة السدود، والذي لا نستبعد أن تكون (الإظلامات) التي حدثت في الأيام الأخيرة وربما التي سوف تحدث انعكاساً لهذا الصراع حتى وإن كان هذا لم يحدث فالأمر المؤكد أنّ هناك خسائر ما نتجت من هذا الصراع، ويكفي الإعلان المفخخ عن القطوعات، ولعل المفارقة في هذا الصراع أنّه لم يكن بين تنفيذيين في جهاز دولة واحد بل بين سياسيين في تنظيم واحد؛ الأمر الذي يجعل كسر العظم ( لا تجبره الجبيرة). قال الباشمهندس مكاوي الذي قذف به الصراع خارج (شبكة) الكهرباء بعد أن مكث فيها سنين عدداً أنّ الصراع لم يكن شخصياً وإنما كان صراعاً منهجياً، ولكن ما رشح حتى من خلال مكاتبات مكاوي نفسه التي نشرتها آخر لحظة أنّ البُعد الشخصي في الصراع كان واضحاً، ولكن دعونا نفترض أنّ الصراع الشخصي كان تجلياً لصراع منهجي فما هو مصير هذا الصراع المنهجي؟ هل سوف ينتهي بخروج مكاوي؟ هل أُعيد ترتيب الأوضاع ثم أُخرج مكاوي أم أنّ هناك ترتيباً سوف يعقب خروج مكاوي؟ أم أنّ هذا فض اشتباك مؤقت وبعد أيام سوف يبرز الصراع مرة أخرى وتظل (العقرب في نتحييها؟). الأستاذ محمد لطيف بعد استقراء للوضع قال إنّ هناك رأياً قوياً بأنّ (تفرتق) هيئة الكهرباء وتقوم على أنقاضها ثلاث شركات مستقلة عن بعضها بعضاً إدارياً؛ شركة للتوليد وشركة للنقل وشركة للتوزيع (انظر الأخبار 13 اكتوبر 2009م ) من جانبنا نقول طيب مالو؟ من حق أي شخص أو أي جهة أن تقترح ما يشاء لتنظيم العمل في مجال الكهرباء أو أي مجال آخر فالإصلاح والتطوير يأتي دوماً من الأفكار التي يطرحها الناس لا سيما العاملون في نفس المجال، ولكن المشكلة في أنّ العاملين في المجال الواحد لا ينظرون للأمور بالعين المجردة إنّما من زاوية المصلحة الخاصة. ويمكن التغلب على هذه العصبية الشخصية أو المهنية بأنّ تقدم المقترحات للجهات التشريعية والرأي العام لكي تقتل بحثاً، وبعد ذلك يختار الناس ما ينفعهم فالاختلاف في وجهات النظر أمر طبيعي ولكن المصيبة تكمن في كيف تدار هذه الخلافات وما أضرّ بهذه البلاد إلا طريقة (أم غمتي) السائدة الآن.
القسم : المقال - الزيارات : [212] - التاريخ : 5/11/2009 - الكاتب : د. عبداللطيف البوني ..